أفغانستان..احتلال ذاكرة
تحكي قصة الجهاد الأفغاني وما جرى للمجاهدين العرب هناك ومصير كثير من الشخصيات المهمة التي تبؤأت مكانا عاليا فيه
الإعداد لمعركة "جلال أباد" من قبل أسامة بن لادن

كانت علامة الانقسام بين العرب في بيشاور ظاهرة جداً، وكانت تنتظر مناسبة – إذا صح التعبير– للإعلان عنها!، وكان الشباب العربي يعيش في حيرة بعد كل تلك الإرهاصات التي ضايقتهم كثيراً، وبسبب توقف العمليات العسكرية في كثير من مناطق أفغانستان لأسباب معروفة كانت لها علاقة بموقف الحكومة الباكستانية وظهور قيادة باكستانية جديدة مناوئة تماماً للجهاد الأفغاني، وترفض على وجه الخصوص تواجد الشباب العربي على أراضيها، كل ذلك تم أو حصل عندما جيء (ببنازير بوتو إلى الحكم) على أنقاض ضياء الحق – رحمه الله– .

في تلك الأثناء كان قد بدأ الترويج لعملية كبيرة – كما قيل – في جلال أباد، وكان يعلن بهذا الموضوع داخل بيشاور وكأنه إعلان تجاري!! حتى أن خبر الإعداد لهذه العملية قد وصل إلى أرض السعودية حيث كان يتواجد فيها آنذاك "أبو عبد الله" الذي كان يعد العدة لهذه العملية من هناك!! وأفراده داخل بيشاور يعبئون الشباب ويحرضونهم على الدخول في هذه المعركة ، وقد علق أحد الإخوة على هذا الموضوع بالقول: "إنكم ستشاهدون قريباً في التلفزيون إعلاناً عن العملية القادمة في جلال أباد!!".  

بعد أسابيع من العمل الدعائي و الاستعدادت، عاد أبو عبد الله "أسامه بن لادن" من مملكته وأعلن عن محاضرة له في مضافة "بيت الأنصار" وكنت أحد الحاضرين في تلك المحاضرة ، وكان مما قاله فيها: "إنني أتيت من المملكة وقد جمعت ثلاثمائة وأربعين مليون ريال للجهاد والمجاهدين ، وإننا الآن نعد العدة للمعركة القادمة لجلال أباد".

وبعد أيام نشاهد أسواق السلاح المنتشرة على طول خط الحدود الأفغانية – الباكستانية وقد نفذ السلاح منها وخصوصاً الأسلحة الثقيلة مثل: الصواريخ والــ "بي – إم 12" وقذائف الهاون 62 ملم ، وقذائف الـ"آر بي جي 7 " وكل الذخائر التي كانت تستعمل في أرض الجهاد، ولأنني كنت أشتري الكثير من الذخائر بسهولة، فإنه بعد سحب نسبة كبيرة مما كان متواجداً في الأسواق ، فقد كنت أبحث عن صاروخ الكاتوشا الذي كنت اشتريه سابقاً بمبلغ يتراوح بين       (1000–1200) روبية باكستانية ، فلم أعد أجده إلا بصعوبة بالغة وبسعر (4000روبية)!! وحتى الحكومة الباكستانية شددت على تجار السلاح من البيع في الأسواق المعهودة لمثل هذه التجارة!!

ومن أجل ذلك الوضع – الذي أحدثه أسامة، وأحدثته معه الحكومة الباكستانية – فقد بدأت تجف المساعدات التي كانت تقدمها الحكومة الباكستانية للأحزاب الأفغانية الثلاثة المعروفة ، مع العلم أن تلك المساعدات كانت عبارة عن "أمانات" لدى الحكومة الباكستانية من أيام الشهيد خالد الذكر "ضياء الحق" رحمه الله ،  وبتلك العمليتين (سيطرة أسامة على الأسلحة وتجفيف المساعدات الباكستانية) خفت كثيراً العمليات الجهادية داخل أفغانستان، وفي نفس الوقت اضطرت – بعض القيادات الأفغانية – أن تخضع لقرار أسامة .. فبعد الإعلان والتهيئة لدخول المعركة القادمة – التي علم بها ربما صاحب عربة الخيل الباكستاني الذي يعمل داخل بيشاور – فقد طلب "حكمتيار" اجتماعاً يضم "سياف ورباني وأسامة بن لادن" ليسمعوا من بن لادن خطته، ولماذا حدد "جلال أباد" لمعركته القادمة؟؟

وقد تم ذلك الاجتماع بالفعل ، ولأن "أبا عبد الله" كان له أثر واضح على القيادات التي يجتمع بها نظراً للمساعدات التي قدمها لهم والأعمال الخيرية التي كان يقوم بها من حفر الآبار ، وتعبيد الطرقات، وبناء الكثير من المستوصفات على الحدود الباكستانية، كل ذلك ترك أثره على القيادات الأفغانية ولم يجادلوه كثيراً!!

وأذكر هنا أن حكمتيار قال له: يا أبا عبد الله ، إننا لا نفكر الآن بجلال أباد ، إننا نركز ونضع كل ثقلنا العسكري على "كابل" فإذا سقطت سقطت بقية المدن تترى!! وأنت تعلم يا أبا عبد الله ، أن المجاهدين الأفغان لم يخوضوا معارك في الصحراء، كما أنك تعلم أيضاً ماذا تعني"جلال أباد" بالنسبة لنظام نجيب في كابل؟ إنها سلة الغذاء له ولنظامه ، وسيستميت ويقاتل بكل سلاحه للحيلولة دون سقوط هذه المدينة!!

واكتفى حكمتيار بتقديم رأيه الذي سمعه الحاضرون في ذلك الاجتماع ، ولكن أبا عبد الله استمر في الإعداد – المادي والبشري – لتك المعركة!! ودعونا ننظر الآن لواقع الجبهة ؛ نحن نعلم أن أغلب الجبهات قد توقفت عن القتال ونعلم أيضاً نفسيات العرب ودورهم في الجهاد الأفغاني، وكان أغلبهم – على الأقل في ذلك التاريخ قبل المعركة – مخلصين صادقين ، ولأنهم قد ضاقوا ذرعاً ببقائهم في بيشاور بسبب ما ذكرناه سابقاً فإنه لم يعد أمامهم إلا تلك الجبهة المفتوحة الغنية والمميزة بكل الإمكانيات الغذائية والعسكرية، لهذا توجه أغلبهم إلى (طور خم) ليستعدوا لبدء المعركة، لن أعلق على الخطة أو الإستراتيجية التي كانت لدى أسامة بن لادن لهذه المعركة لسبب بسيط هو أنه اعتمد فقط على الأسلوب التقليدي في حرب العصابات، ولم أجد غير ذلك، ولم يكن يدرك أنه الآن أمام حرب رسمية – إذا جاز التعبير– على طول منطقة كبيرة وواسعة منها ما هو صحراوي وكثير منها مليء بالأشجار والغابات والمزارع تصل إلى أكثر من ثلاثين كيلو متراً.

يقابله سلاح ثقيل وفتاك بل وصواريخ اسكود (أطلق منها 470 صاروخاً) كما صرح بذلك الجيش الباكستاني مقابل ما لدى المجاهدين من سلاح لا يكاد يذكر أمام تلك الترسانة من الأسلحة الروسية!! وعدد كبير – غير مسبوق –  من الشباب العرب!!.

بدأت المعركة وكان النصر حليف المجاهدين ، وبالمناسبة فإن تلك الصورة التي تشاهدونها في التلفزيون لأسامة وبيده جهاز لا سلكي من نوع (أي كام) كنا نشتريه من سوق خارج بيشاور على طريق (طور خم) وكانت تلك الصورة بالتحديد بمركز يسمى مركز (سراقة) واستمرت الانتصارات حتى وصل المجاهدون إلى قرب مطار "جلال أباد"، بل ودخلوا مزرعة اسمها (ثمر فيل) ووقفوا عند تلك النقطة .

وهنا ملاحظة أود الإشارة إليها وهي أن الأفغان ولأسباب خاصة بهم على اعتبار أن المعركة فرضت عليهم – قد دخلوا المعركة بقوات رمزية، فقط حباً وكرامة لأبي عبد الله!!  بقي المجاهدون في آخر نقطة وصلوا إليها ولم يستمر بقاؤهم فيها طويلاً، حيث أعاد الشيوعيون الكرة على المجاهدين وأعادوهم إلى أول نقطة انطلقوا منها،!! وحسبي الله ونعم الوكيل، فقد كانت النتائج مفجعة من حيث الشهداء من الأفغان والعرب!! وعاد أسامة إلى بيشاور بدون خفي حنين بعد تلك الكارثة والفاجعة الغير مسبوقة في تاريخ الجهاد الأفغاني بكل المقاييس المعهودة لدى الأفغان.

في ذلك التاريخ طلب عقد اجتماع –  من قبل أخ يمني –  لمناقشة ما جرى ، وفي الاجتماع بدأ هذا الأخ اليمني بتوجيه عدد من الأسئلة لأبي عبد الله ، وكان مما قال له: إنني أريد أن أسأل: لماذا لم تضم إليك يا أبا عبد الله، فلاناً وفلاناً – وهما أبو عاصم المصري (وهذا الأخ كان قد مكث عدة أشهر في المعسكر الذي أنشأناه في ليجة وعمل العديد من الدورات للشباب العرب ، وكان آخر برنامج له في تلك المنطقة هو تفجير كل القنابل الموقوتة التي تسقطها الطائرات الروسية ، وهذا البرنامج شهد له جميع الأفغان في "خوست" وبنظر الشيخ جلال الدين حقاني) ، وأما الأخ الآخر فهو "أبو الحسن" ، وكان صاحب فكرة " دورة الفصائل" –  هؤلاء الاثنان كانا أهم قائدين عسكريين بسبب خبرتهما العسكرية.. أعتقد أنه كان الأولى أن تضم مثل هاتين الشخصيتين إن كنت –  كما أقسمت –  مصمماً على خوض معركة جلال أباد؟ كيف استطعت أن تقفز فوق عمالقة الجهاد أمثال: سياف وحكمتيار ورباني ويونس خالص وتظهر لنا برجل لم نسمع به من قبل يترأس بل يتجاوز أبناء قومه؟؟

كيف أمكنك أن تلغي الرجل الذي رفض أن يقابل الرئيس الأمريكي "ريغان"؟

كيف أمكنك أن تلغي دور القيادات التي كانت أمريكا وبريطانيا تتمنى رؤوسهم لأنهم حسب المصطلح القديم من المتشددين والأصوليين؟!

لماذا لم نسمعك يوماً تقول إنك على استعداد لأن تشكل حلفاً مع حكمتيار الذي أغلقت حكومة بلدك مكتبه بحجة انه يقاتل الموحدين في كونر ، ظهر رجل من الأفغان اسمه (جميل الرضي) وأعلن نفسه زعيم (الموحدين) السلفيين فكان أن أعلن نفسه (أميراً للمؤمنين) (وأمير كونر الإسلامية) ولأن كونر أول ولاية تم تحريرها تماماً وكانت تحت سيطرة حكمتيار .. إذاً فكرة الطالبان بدأت ، ومن هنا كانت البداية ( وكانت أول سابقة اتخذتها السعودية هي إقفال مكتب حكمتيار لتعلن صراحة عن عدم رضاها عن هذا الرجل الذي رفض كل مخططات أمريكا والغرب) وأن أهدافك تلك قد توافقت مع ما كانت تريده بكل دقة وإخلاص!!

أمام تلك الأسئلة التي انهالت على أسامة طوال فترة الاجتماع أقسم أنه لم يجب على أي سؤال سئل به ،  وكان يكتفي إما بتعديل جلسته أو تحريك السواك في فمه!!

عند ذلك قال له هذا الأخ: اسمع يا أبا عبد الله ! بما أنك لم تجب على أسئلتنا ولا تريد أن تبين موقفك من هذه العملية، فإني أقول لك بكل صراحة ووضوح: إنك واحد من اثنين: إما أن تكون عميلاً لأعداء هذا الجهاد، أو أنك تريد أن تكون رجلاً عسكرياً، وبالتالي فإنك فاشل ولا تصلح للقيادة!!

هذا الأخ مسئول الإخوة اليمنيين كنيته أبو الشهيد وهو من حقق مع أسامة ويعيش بيننا وقد سمحت لنفسي بذكر اسمه بعد الإذن منه .

وبعد مضي فترة من ذلك الحادث، وتلك المقابلة ، اشتد التضييق على الإخوة العرب ومنعوا من دخول أفغانستان عبر المنافذ المعروفة من (تل، ميرام شاه ، وطور خم، وأعظم ورسك) بل ووصل الأمر إلى سجن العديد من الشباب، وكنا نشعر بالزيارات المتكررة لمدير الاستخبارات السعودية –  الذي عزل مؤخراً– وكان يحرض علينا القبائل الباكستانية ويعطيها الأموال من أجل منع شباب العرب من الدخول إلى أفغانستان.

وكنا نضطر لبذل أقصى الجهود وتكرار المحاولات، لاجتياز نقطة ما  كانت القبائل تستحدثها في المناطق الحساسة، والتي لم نكن نستطيع اجتيازها إلا بمغامرة!! وبعض الشباب – الذين كان نفسهم قصيراً ييأسون من أول محاولة – كانوا يضطرون للعودة إلى بيشاور ، وبعضهم إلى بلده، وهو المطلوب إثباته!!!

وإضافة إلى ما كان من التضييق على الشباب العربي في الحدود الباكستانية الأفغانية، فإنني أتذكر أنهم عندما لم يجدوا وسيلة لاكتشاف العدو الحقيقي – ليس من الشباب العربي بل ممن تبقى منهم بعد المحاولات – طلعوا علينا بمشروع جديد يقضي أن على من أراد أن يذهب إلى أفغانستان ، بل ومن أراد أن يتمشى في أي منطقة داخل باكستان، فليس عليه إلا أن يحضر إلى مكتب الإغاثة الإسلامية العالمية، التي كان يديرها المهندس يوسف حمدان "من جدة" أو الهلال الأحمر السعودي ويصطحب صورتين (مقاس 4×6) ملونة وصورة لجواز السفر، وتعطى له بطاقة خاصة للعاملين بتلك المنظمة السعودية.

مع العلم أنه كان يوجد داخل بيشاور العديد من المنظمات العربية الأخرى، ولكن مدير الاستخبارات السعودي لم يكن يسمح إلا لتلك المؤسستين لا غير!! وقد نجحوا من خلال تلك الفكرة الممتازة في الحصول على أكثر من"70%" من أسماء وصور أولئك الشباب الذين لم يكن لهم من هم سوى الابتعاد عن بيشاور والدخول إلى أفغانستان لعل الله يرزقهم الشهادة!!.